الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

40

شرح ديوان ابن الفارض

ويشهد للأول قول القائل : حبيب نأى وهو القريب المصاقب * وسخط نوى لم تنض فيه الركائب فقد سمى الحبيب وهو جار ملاصق قريب نائيا وجعل نواه بعدا لكن وصفه بأنه لم يتعب الركائب ولم يهزلها بالسير إلى قصد الحبيب لكونه بعيدا في المعنى وهو في الظاهر قريب وفي البيت الطباق بين الصد والدنو على ما ذكرناه وبين الوصل والجفاء وبين الغدر والوفاء وبين الهجر والرحمة لكن النسخ الكثيرة على أن يكون البيت هكذا فهم هم بعدوا دنوا وعلى هذه النسخة لا يحتاج تحصيل الطباق إلى تأويل فاعلم ذلك . وهم عياذي حيث لم تغن الرّقى وهم ملاذي إن عدت أعدائي وهم بقلبي إن تناءت دارهم عنّي وسخطي في الهوى ورضائي [ الاعراب والمعنى ] « العياذ » بكسر العين المهملة وآخرها ذال معجمة مصدر عاذ به عياذا ومعاذا والمعاذة والتعوذ والكل بمعنى الالتجاء فعلى هذا يكون العياذ بمعنى اسم المفعول أي هم أحبابي الذين التجىء إليهم في المهمات وأعوذ بهم في الملمات . و « حيث » ظرف للمكان مبنية على الضم أو الفتح أو الكسر والضم أرجح . وقوله « لم تغن الرقى » أي لم تفد العوذات فإن « الرقى » بضم الراء وفتح القاف وآخرها ألف مقصورة جمع رقية وهي العوذة أي ما يتعوذ به الإنسان أي أنا أعوذ بهم إذا لم تنفعني رقية ولم تفدني عوذة . قوله : « وهم ملاذي » الملاذ الحصن ، أي هم حصني الذي أتحصن به إذا عدت أعدائي عليّ . وما أحسن قوله « وهم عياذى » و « هم ملاذي » . قوله « وهم بقلبي » مبتدأ وخبر وهو دليل جزاء الشرط الذي هو « إن » إذ المراد : إن تناءت دارهم فهم بقلبي . يعني فإنهم مقيمون بقلبي . و « عني » متعلق بتناءت . قوله « وسخطي » معطوف على الخبر أي هم بقلبي وهم سخطي وهم رضائي في مذهب الهوى لأنهم إن رضوا عني فهم رضائي وإن سخطوا عليّ فهم سخطي ولا يخفى المبالغة في الحكم عليهم بأنهم عين سخطه ورضائه وهذان البيتان يتضمان غاية انتسابه إليهم وخضوعه بين يديهم حيث كانوا عياذه حيث لم تفده الرقى ، وملاذه عندما تعدى عليه أهل العداوة والشقا وهم المقيمون منه في داخل الفؤاد وهم سبب رضاه وسخطه في حالتي القرب والبعاد . ( ن ) : المعنى أن حقائق هؤلاء المذكورين حيث بهم تجلى على الحق تعالى عياذى وحفظي واعتصامي من جميع المؤذيات في الدنيا والآخرة حيث لا تنفع الرقى والتعويذات وهم حصني عند الشدائد وهجوم المصائب . وقوله وهم بقلبي ، أي